تقع الحضارة الإنسانية الحديثة في ذروة قوتها التكنولوجية. في كل ثانية نولد البيانات وننقلها ونخزنها بكميات هائلة (إكسابايت): من الاكتشافات العلمية الأساسية والخوارزميات المعقدة إلى الصور الشخصية والمدونات ومحادثات الشبكات الاجتماعية. لم يسبق لأي نوع في تاريخ الأرض أن ترك وراءه أثرًا معلوماتيًا ضخمًا كهذا. ومع ذلك، خلف واجهة القدرة المطلقة هذه تكمن مفارقة مرعبة يصفها الباحثون بشكل متزايد بأنها نقطة الضعف الأكبر في القرن الحادي والعشرين: ذاكرتنا سريعة الزوال. وسائل التخزين الإلكترونية والأشرطة المغناطيسية وأنظمة التخزين السحابي التي نأتمنها على تراثنا الجماعي تمتلك عمرًا افتراضيًا قصيرًا بشكل كارثي.
ردًا على هذا التهديد الوجودي، أطلق الخزاف النمساوي، العالم، وصاحب الرؤية "مارتن كونز" (Martin Kunze) مشروعًا غير مسبوق عالميًا — "ذاكرة البشرية" (Memory of Mankind - MOM). تنتشر هذه المبادرة في أعماق أقدم منجم ملح في "هالشتات" (Hallstatt) بالنمسا، ومن المقدر لها أن تصبح أعظم كبسولة زمنية في عصرنا. المشروع ليس مجرد نسخ احتياطي للبيانات، بل عمل فلسفي واجتماعي ثقافي عظيم يهدف إلى الحفاظ على جوهر الوجود البشري، معارفنا، أخطائنا، حياتنا اليومية وأحلامنا لأحفادنا الذين سيعيشون على الأرض بعد عشرات الآلاف أو حتى مليون سنة.

وهم الخلود وتهديد "الزهايمر الرقمي"
لكي ندرك تمامًا حجم وأهمية مشروع ذاكرة البشرية، يجب علينا أولاً تفكيك أسطورة موثوقية الإنترنت الحديث. لقد رسخت الفكرة التي أشاعتها الثقافة الجماهيرية بأن "الإنترنت يتذكر كل شيء" في وعينا. ومع ذلك، يدرك أمناء الأرشيف المحترفون وخبراء البيانات والمؤرخون الحقيقة المرعبة: نحن نعيش في أكثر العصور الأرشيفية هشاشة في تاريخ البشرية.
نحن نرسل تراثنا طواعية إلى "ثقب ذاكرة" تكنولوجي من خلال الاعتماد على أوساط تتدهور بمعدل مقلق. متوسط عمر القرص الصلب القياسي (HDD) أو محرك الأقراص ذو الحالة الصلبة (SSD) في مركز البيانات يتراوح من 5 إلى 10 سنوات. لذلك أطلق المجتمع الأكاديمي على هذه الظاهرة من الفقدان السريع للبيانات اسم "الزهايمر الرقمي" أو بداية العصور المظلمة الرقمية.
تطور حاملي المعلومات والانتصار التكنولوجي للسيراميك
كلما أصبح ناقل البيانات أكثر تقدمًا تكنولوجيًا، قصر عمره الافتراضي. من الأشرطة المغناطيسية والأقراص الضوئية، وصولاً إلى الأقراص الصلبة التي لا تتجاوز 10 سنوات، أصبحنا نفقد ذاكرتنا بشكل متسارع. ولذلك لجأ مارتن كونز إلى السيراميك؛ الألواح المسمارية السومرية المصنوعة من الطين نجت لأكثر من 5000 سنة.
ولكن لأن نقش كل هذا القدر الهائل من المعرفة بالمخرز عملية مستحيلة، طور كونز تقنية "الميكروفيلم الخزفي" وتقنية الطباعة الملونة على السيراميك. ألواح السيراميك عالية الأداء مقاس 20 × 20 سم تعمل كحامل أساسي لضمان بقائها حتى 1,000,000 سنة، فهي تقاوم الحرارة حتى 1500 درجة مئوية والماء والأحماض.

ملاذ في أعماق جبال الألب: لماذا هالشتات؟
تم العثور على المكان المثالي في النمسا في منجم الملح في جبال داتشستين (Dachstein)، تحديداً في أعماق جبل بلسن (Plassen) على عمق 2000 متر. يتميز المنجم بما يلي:
- مناخ محلي جاف: الملح يمتص الرطوبة ويجفف هواء الكهف تماماً.
- غلق ذاتي طبيعي: يتصرف الملح الصخري تحت الضغط الهائل للجبال وكأنه سائل لزج. وبمرور السنين ستتدفق الصخور الملحية وتسد الفجوات التي يوضع فيها الأرشيف لتشكل صندوقاً محكماً مقاوماً للماء.
- حركة جيولوجية تصاعدية: بفعل الصفائح التكتونية، سيندفع المنجم للأعلى ببطء ليظهر الأرشيف على سطح الأرض في غضون مئات الآلاف من السنين القادمة ليجده من يسكن الأرض حينها.
هندسة الذاكرة الجماعية وعملة MOM الذهبية (Token)
ينقسم الأرشيف إلى بيانات تلقائية، ومحتوى مؤسسي (لحفظ الأبحاث وخزانات الوقود النووي)، وتاريخ من القاعدة للقمة (يسمح لأي شخص بترك قصته وصور زوافه).

بما أن الأرشيف لا يمتلك تاريخًا محددًا لفتحه، فقد صنع المشروع الرمز المميز (The Token)، وهو قرص صغير من السيراميك، يمثل خريطة جغرافية للكنز المخبأ. توزع هذه الأقراص بالآلاف عبر العالم، وبفضل التقاطعات والخرائط عليها، لا يمكن العثور على الكنز إلا بواسطة حضارة تصل إلى مستوى فكري وعلمي متقدم قادرة على فك شيفرة التغيرات الجيولوجية ومستويات البحر على كوكب الأرض.
مشروع ذاكرة البشرية هو نضال مستمر لإنقاذ قصة الوجود الإنساني المجيدة من النسيان، ونقلها بصيغتها التناظرية المثالية إلى الأبد.